لا تَحجُبْ النور عن قلبك في ليلة القدر، تلك الليلة التي تفيض بالسلام المُنزَّل من السماء إلى الأرض حتى مطلع الفجر. لا تفوّت هذه الفرحة المشرقة التي ترفرف لها القلوب فرحًا ورهبة. لا تغفل عن هذه الليلة العظيمة، ليلة تُقدَّر فيها الأقدار، (فيها يُفرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم) [الدخان:4]، ليلة لا تُقاس بأي ليلة أخرى في بركتها وعظمتها.
تخيل أنك تقف بين يدي الله في ليلة القدر ذات الشرف العالي، حيث تضيق الأرض بالملائكة عليهم السلام، والرحمة تتنزل من السماء، والأبواب مفتوحة للعفو والمغفرة. ولكن ماذا لو لم تُفتح لك أبواب العفو والمغفرة؟ في هذه الليلة العظيمة، يلهج لسانك بدعاء ربما يكون أعظم مفاتيح الرحمة: "اللهم إنك عفوٌّ تحب العفوَ فاعفُ عني". إنه الدعاء الذي علّمه رسول الله ﷺ للسيدة عائشة رضي الله عنها حين سألته ماذا تقول إن أدركت ليلة القدر؟ لكن، هل تساءلت يومًا: لماذا نُلحّ بهذا الدعاء في هذه الليلة المباركة؟ إنه رسالة تحمل في طياتها معنى أعمق: أن العفو الذي تطلبه من الله، ينبغي أن يكون نهجًا في حياتك. فكما تطلب من الله أن يعفو عنك، اعفُ أنت عن الآخرين، لتكون روحك أقرب إلى روح هذه الليلة المباركة.
هنا يكمن الاختبار الحقيقي: هل تستطيع أن تعفو عمن أساء إليك؟ هل تملك قلبًا متسامحًا لا يحمل ضغينة؟ العفو هو رتبة عظيمة، لا يصل إليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة الراقية. قال تعالى: (وإنْ تَعفوا وتصفحوا وتغفروا فإنَّ اللهَ غفورٌ رحيم) [التغابن: 14]. فكلما عفوت عن الناس، كنتَ أقرب إلى أن يعفو الله عنك. ولذلك، من أراد أن ينال العفو في ليلة القدر، فليبدأ هو بالعفو عن الآخرين.
إن القلوب الصافية هي التي تستحق نفحات ليلة القدر، والقلوب السليمة من الحقد والكراهية هي الأقرب لنيل رحمة الله. ألم تسمع أن ليلة القدر رُفعت معرفتها بسبب الخصومة؟ فقد خرج النبي ﷺ ليخبر الصحابة بموعدها، فتخاصم رجلان، فقال ﷺ: "خرجتُ لأخبرَكم بليلة القدر فتلاحى فلانٌ وفلانٌ، فرُفعَت، وعسى أن يكونَ خيراً لكم". وكأن في ذلك إشارة إلى أن الشحناء والنزاع والخصومة تحرم الإنسان من بركات هذه الليلة العظيمة.
لا تحرم نفسك من الطاعة والعبادة في هذه الليلة التي هي خير من ألف شهر (إنّا أنزلناه في ليلةِ القدر۞ وما أدراك ما ليلةُ القدر۞ ليلةُ القدْرِ خيرٌ من ألفِ شهر) [القدر:1-3] هي خير من 83 سنة، أي خير من أن يساوي عمر إنسان بأكمله، فليس المحروم الذي خسر مالاً ولا الذي خسر وظيفة، فذاك كله يعوض، ولكن المحروم من حُرم خيرَ هذه الليلة، ألم تسمع قولَ رسول الله ﷺ :" إنَّ هذا الشهرَ قد حضرَكم وفيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرٍ، مَن حُرِمها فقد حُرِم الخيرَ كلّه، ولا يُحرَمُ خيرَها إلا محروم".
إذا كنت تطلب العفو من الله، فابدأ بعفو قلبك عن الناس. لا تجعل قلبك مثقلًا بالأحقاد في هذه الليلة التي تكتب فيها الأقدار، ادخل ليلة القدر بقلب نقي، فإن العفو عن الخلق باب للعفو من الخالق. اسأل نفسك الآن: هل هناك شخص يمكن أن أعفو عنه اليوم؟ افعلها، وستجد أثر ذلك في قلبك ويكتب في صحيفتك بأنك من رتبة أهل العفو، وأنك تأهلت لليلة العفو.
إلى كل القلوب التي تكسرت بسبب الجروح والآلام، أنتم أهل للعفو، لأنكم بإيمانكم تعلمتم كيف تقتربون من الله في محنتكم، فقد عرفتم أن الجرح هو مدخل النور، لأنه يعلمنا الصبر، ويقربنا من الله، ويجعلنا ندرك معنى الرحمة. فكيف يكون الحال بمن يجتمع فيه الجرح والعفو في ليلة النور، ليلة العفو، ليلة القدر؟
اللهم إنا نسألك في هذه الليلة المباركة أن ترفعالبلاءَ والغلاء والعناء وتسلط الأعداء عن لبنان وسوريا وفلسطين والسودان وعن كل بلد يعاني من الحروب، اللهم اجعل هذه الليلة بداية خير وفرج ونور.